مقابلة مع احمد الفرجاني، مؤسس حراك “حكومة فزّان”

 

الجنوب الليبي كان ولازال، منذ اسقاط نظام معمر القذافي، بؤرة توتّر تشهدها ليبيا، فالكثير من الجماعات المعارضة – التشاديّة والسّودانيّة وغيرها من المليشيات المحلّيّة – وجدت في عدم الاستقرار السياسي ملجأً لها في ليبيا من خلال الجنوب.

ويلقى هذا الانفلات الامني بضلاله على الحالة المعيشيّة للمواطن، مع الاخذ بعين الاعتبار بأنّه، وبعد عدّة محاولات من الاجسام السّياسيّة السّابقة لبث الاستقرار والامن بالجنوب، تمكّنت قوّات جيش الشّرق بقيادة المشير خليفة حفتر من بسط سيطرتها على المنطقة بالكامل.

إلا أن الشّكاوى من عدم الاستقرار المتمثّل بعمليّات السّطو والحرابة وتواجد مجموعات مسلّحة تمارس الاعتداءات على المواطنين بضواحي سبها وبعض المناطق الأخرى، اخذت ايضا بالتّزايد بالرّغم من سيطرة قوّات الشّرق على هذه المنطقة.

امّا الجانب الامني فيعدّ من ضمن الاسباب الّتي جعلت بعض النخب والقادة الاجتماعيّين من شيوخ القبائل والاعيان يطالبون بتشكيل حكومة محلّيّة باسم “حكومة فزّان” القصد منها تلبية الاحتياجات اليوميّة وتقديم الخدمات الاساسيّة للمواطن.

وعلى هذا الأساس، التقينا بـأحمد الفرجاني، مؤسّس حراك “حكومة فزان”، حيث كان لنا هذا الحوار معه.

 

بدايةً، هل توضّحون لنا أهداف الحكومة المزمع تأسيسها؟

اهدافنا واضحة: تأمين كافّة تراب الفّزّان وتطهيرها من عصابات التّبو المتحالفة مع داعش بعد طرد الجيش لحليفها السابق ابناء عمومتهم من التّبو التشاديّين والمعارضة التشاديّة عموماً. هذا ونتطلّع ايضاً إلى استرجاع كافّة حقوق اهالي الفّزّان المدنيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والسّياسيّة ولو أدّى ذلك لإغلاق كافّة مصادر الموارد وكذلك إغلاق المنافذ المؤدّية للشرق والغرب. ولا نريد أن نقول هنا “عليّ وعلى أعدائي” لأنّنا أبناء وطن واحد والحلّ لليبيا سيكون فزّاني إن شاء الله بعد أن ضُيِّع الوطن الشّرقاوي والغرباوي بسبب الصّراع الجاهلي الجهوي المتخلّف الّذي خاضه البّعض من أجل تحقيق مكاسب سياسية والسّيطرة على السّلطة بقوة السّلاح.

هل هناك أصوات محلّيّة أو حتى غير محلّيّة تريد هذا الطّرح؟

بخصوص الاصداء، نعم، هنالك تفاعل وتأييد كبيرين لتحبيذ حلّ يُطرح من داخل الفّزّان، امّا فيما يخصّ الاصداء غير المحلّيّة فالواقع أنّه لم يتم التواصل مع أي جهات خارجية الى الآن غير أنّ هنالك تواصل مع نخب متواجدة خارج الفّزّان.

هل ضعف أداء الحكومات السابقة كان سبباً في هذا التّوجّه؟

نعم، إنّ الضّعف والتّخبّط والصّراع على السّلطة وفشل الحكومتين في توفير حاجات وخدمات أهل الفّزّان وكذلك انقطاع كافّة الخدمات عن الفّزّان وعلى رأسها الأمن هو ما جعل أهل الفّزّان يفكّرون مليّاً في تقديم هذا الطرح الّذي اتى باسم عزّتهم ولعلّ هذا هو السّبب الّذي جعلهم يطلقون عليه اسم حكومة فزان العزة.

هناك من يقول إنّ هذه الحكومة سيقابلها الفّشل كون أن هناك تواجد على الارض لقوّة أمنيّة وعسكريّة تتبع لحكومة الشرق؟

نحن لسنا ضد أو مع أي طرف من الأطراف المتنازعة خاصّة إذا قاموا بمهامهم المناطة بهم وعلى رأسها توفير الأمن. ولكن، وللعلم، فبعد قدوم الجيش انتشرت عصابات داعش المتحالفة مع قبيلة التبو، بينما قبل دخول الجيش لم يكن هنالك وجود للدواعش. هذا ويشار إلى أنّ القوّة المذكورة في سؤالكم لا وجود لها على أرض الواقع فهي اسم فقط لا غير. نعم وصل الجيش وأدّى ما أدّى من مهام وتمّ بعد ذلك انسحابه في ظروف لم يفهمها أحد إلى الأن، تاركاً الفّزّان وأهلها يعانون القتل والذبح والتهجير.

ما موقف النّخب والقبائل من هذا الطرح؟ وهل تواصلتم معهم؟

نعلم بأنّ هنالك الكثير من النّخب والقبائل يريدون مثل هكذا طروحات، ولكنّنا لم نتواصل معهم إلى الآن حيث أنّ الطّرح حديث العهد بينما نحن الآن في طور إعداد الفّرق المنسّقة لتقديم طرح يتناسب واحتياجات كافّة أهل الفّزّان. ونعتقد بل ونتوقّع أن ينال الطّرح هذا تأييداً جيّداً حيث أنّ الارشادات الأوّليّة والمبنيّة على حديثنا والنّاس عموماً إيجابيّة إلى قدر كبير.

يمكن ان توضّح لنا بعض المبادئ أو الاسس التي تنطلقون منها؟

نعم. أوّلاً: من حقّنا المطالبة بحكومة للفّزّان تضمن لنا الأمن وتحافظ على حقوقنا.

ثانيا: عندما يتّفق الشّرق والغرب، سنكون معهما كما سنكون مع ليبيا ولن نقف ضدها. نحن لسنا انفصاليين لكنّنا نريد الحصول على حقوقنا بعيداً عن صراع الشمال.

فشعارنا واضح وهو التّالي كما سبق وذكرت: نعم لحكومة فزّان العزّة.

 

ختاماً، ما هو موقفكم ممّا يتردّد أنّ الدكتور علي زيدان رئيس الوزراء السابق انضم إليكم؟

هذا غير صحيح وحراكنا ليس له علاقة بأيّ شخصيّة سياسيّة مثال شخصية علي زيدان.

حوار اجراه محمد الصّريط

محمّد اركون وبناء الفّكر الإسلاميّ… حوار مع الحسن المصدّق

 

محمّد اركون وبناء الفّكر الإسلاميّ… حوار مع الحسن المصدّق

 

يعد محمّد اركون، الّذي رحل قبل عشر سنوات تقريبا، من أبرز وأهم الفّلاسفة المعاصرين المختصّين بالشّؤون الإسلاميّة. وقد كان اركون جريئاً ايضاً في أفكاره، إذ انّه لم يتردّد ابداً في انتقاد الصّيغ الرّسميّة والتقليدية المعتادة عموماً حين التّطرّق إلى تاريخ الفكر الإسلامي ومعطيات ومعنى – أو معاني – الدّين الإسلامي.

محمّد اركون حملت رسائله العديد من الافتراضات والنّداءات، لعلّ أبرزها دعوته إلى إعادة جرد واقع عقلاني نقدي للإسلام والفكر الإسلامي، بمعنى أن والوعي بهذا الدّين هو جزء لا يتجزّأ ممّا سبقه من اديان وممّا لحقه من احداث. هذه المعطيات وكذلك أسس وتفاصيل “الفّكر الاركوني” نجده ملخّصاً في هذا الكتاب باللغة الفّرنسيّة للأستاذ الجامعيّ ومدير الأبحاث في مركز الأداء الاستراتيجي الحسن المصدّق، الصّادر عن معهد العالم العربي في باريس وجائزة الملك فيصل تحت عنوان “ محمّد اركون وبناء الفّكر الإسلاميّ” (160 صفحة).

ولفهم فحوى وماهية هذا الكتاب وكذلك أبرز الأفكار الّتي امتاز بها المرحوم محمّد اركون، كان لنا هذا الحوار مع الحسن المصدّق.

 

١/ يعدّ محمّد اركون من اهمّ وأبرز الفّلاسفة المختصّين بالدّين الإسلامي، لماذا هذا الكتاب الآن وقد مضت قرابة ال٩ سنوات على وفاته؟

علاقتي بمحمّد أركون شخصيّة وتمتدّ إلى سنوات طويلة في جامعة السّوربون وفي بعض المشاركات في بعض المؤتمرات الدّوليّة المنعقدة حول التّراث والقرآن وطبيعة الفّكر العربيّ المعاصر، وهي ما زالت مستمرّة مع كتبه ولن تنقطع بوفاته لأنّ الحاجة إليه تفرض نفسها اليوم بإلحاح من منطلق تحرير تراثنا العربيّ الإسلاميّ من القراءات الوثوقيّة والتّقريريّة والدوغمائيّة الّتي استبددت به طويلاً وما زالت تحكم إساره.

نحن في الحقيقة، ما زلنا بعيدين كلّ البّعد عن اكتشاف أهمّيّة هذا المفكّر، ومن المبكّر جدّاً الحكم على آثار أفكاره ومنهجه، وفهم كلّ ما كتبه، وتمثل كل مجهوداته الفّكريّة واجتهاداته النّظريّة والتّطبيقيّة، بحيث يمكن القول إنّ فكره يفتح آفاقاً رحبة في تأويلاته المتعدّدة، ولربّما تأخّرنا كثيراً في قراءتها وتأويلها، ففكره ما زال لم يصل بشكل كاف وواف للأجيال الجديدة ولأوسع الشّرائح الاجتماعية.

قد تتّفق معه أو تختلف، لكن يشهد الكلّ في المنابر الجامعيّة والأكاديميّة والمختصّة أنّ الرّجل قرأ التّراث الإسلاميّ قراءةً نقديّةً معمّقة، وهو في هذه القراءة يمتاز بفكر موسوعيّ (علم التاريخ، أنثروبولوجيا، لسانيّات، فلسفة، علم اجتماع، علم الأديان المقارن …). ما أصعب أن تجد مفكّرين يمتازون برؤية متعدّدة الجغرافيا الفكرية مثله، ويتحمّلون مسؤوليّة تاريخيّة إنسانيّة في البّحث وتقديم رؤية إبستمولوجيّة نقديّة مثيرة للجدل مع الانتصار لكلّ ما هو إنسانيّ وعقلانيّ في التّراث الإنسانيّ والتّراث الإسلاميّ.

وهنا تكمن أحد أبرز مساهماته، فهو يبحث في الظّاهرة الدّينيّة بمختلف تجليّاتها، إن لم نقل إنّه غاص في عمق التّراث الدّينيّ الإسلاميّ، وحارب كلّ من محاولات المستشرقين في إسقاط جملة من الأفكار والمصطلحات الغربيّة عليه، ورفض في نفس الوقت التّوفيق بين الفّكر الغربيّ والإسلاميّ من جهة، ومن جهة أخرى تصدّى بجرأته المعهودة للقراءات التّقليديّة والمسلمات الموروثة.

إجمالاً، يمكن القول بإنّه حارب كلّ المّنظومات الفّقهيّة والرّواية التّاريخيّة الرّسميّة الّتي استبدت بالرّؤى الفّقهيّة الجامدة الّتي تضع نفسها خارج التّاريخ، واعتبر أن كلّ مساهمة لا يمكن أن تعلو على شروطها التّاريخيّة والاجتماعيّة والسّياسيّة. بمعنى أن الأمر الأهمّ يتعلّق بوضع التّاريخية والنّقد التّاريخي في صلب دراسة الظّاهرة الدّينيّة ومختلف البّنى الاجتماعيّة والاقتصاديّة والدّيموغرافيّة والسّياسيّة والسّيميائيّة الّتي تظهر فيه.

وببساطة، جوهر مشروع محمد أركون أنّ الدّين الإسلاميّ يقع في التّاريخ وليس خارج التّاريخ، وبالتالي: إنّ القرآن خطاب دينيّ مجازي له أبعاد رمزيّة (بمعنى أنّ القرآن هو نصّ مفتوح يتعذّر على أيّ تأويل غلقه بصورة قطعيّة في أيّ مذهب من المذاهب الإسلاميّة)، وليس كتاباً في علم الرّياضيّات والفّيزياء ولا في علم السّياسة والاقتصاد.

لذلك يجب الفّصل بين “الظّاهرة القرآنية” و”الظّاهرة الإسلاميّة”، الأولى متسامية بطبعها ومفتوحة ورحبة، فيما الثّانية بشريّة وتمّ تجسيدها عبر بشر قدّموا اجتهادات لها ما لها وعليها ما عليها، بحيث راحت هذه الاجتهادات تبحث عن شرعيّة لها. لذلك ترى بأنّ الفّقهاء المعاصرين ورجال الدّعوة حاليّاً، لا يوافقون البتّة على هذه الرّؤية لأنّ ذلك يكشف عن محدوديّة العقل البّشري الّذي حاول إنتاجها، ومن ثمّ يكشف طابعها التّاريخيّ أي نسبيّتها بالمقابل.

 

٢/ كيف تلخّصون فكر محمّد اركون واهمّ ما نادى به طوال عقود بحثه؟

هذا السؤال متشعّب جدّاً، ويبدأ بطرح أسئلة أخرى تباعاً: ما هي أسس مشروع محمد أركون المعرفية؟ وكيف تناول القضايا التي نذر نفسه للتفكير فيها كأسئلة وأجوبة؟ وبالتالي، ما هي معالم رؤيته التاريخية النقدية؟

بداية، بالنسبة له هناك خلط كبير بين الإسلام كدين والإسلام كإطار تاريخي أنتج ثقافة عالمة وثقافة شفهية، ومن هنا تأتي أهمية منهجه في تطبيق التاريخ والعلوم الإنسانية والاجتماعية للقبض على سيرورة تاريخية إسلامية بدأت منذ أربعة عشر قرنا، ابتدأت بحدث النبوة وتلته تحولات كبرى كمرحلة العصر الكلاسيكي، ومرحلة العصر التكراري الذي عرف بالجمود والشلل، ومرحلة النهضة التي انتهت اليوم بفشل ذريع، بحيث يصبح من المهم تفكيك العقل الإسلامي وإعادة بناء تاريخي له ل في كلّ مرحلة من هذه المراحل. بمعنى، والقول لمحمد أركون، أنّك إذا لم تصحح نظرتك لماضيك، لن تصحح نظرتك لحاضرك ومستقبلك.

وهو هنا يركّز على تاريخيّة كلّ فكر وكلّ مذهب من مذاهب الفكر الإسلامي، بحيث يكشف كل التّلاعبات والمسوّغات التي قدّمها هذا المذهب أو ذاك لتبرير الحقائق التي قدّمها في عصره بحسب مصالح القيّمين عليها مع مراعات نسبية العقل التي ولّدها بالمقارنة مع الحقيقة المثالية التي بثها الله في القرآن، لافتا من جديد في هذا المسعى أهمية النظر إلى ضرورة الكشف عن الثقافات المهمشة في هذا التاريخ.

إذ أنّ التاريخ يكتبه المنتصرون الذين بالطبع رموا إلى الهامش أو دائرة اللا مُفكَّر فيه كل مخالفيهم، وثقافات المعارضة والثقافات الشعبية سواء عبر تصفية أو تشويه رموزهم بعد حرق كتبهم… لذلك لا بدّ من إعادة تركيب الذاكرة الجماعية بوضع التاريخ الرسمي مقابل التاريخ السّرّيّ أو المسكوت عنه، على صعيد التراث الشفهي أم على صعيد التراث الكتابي بغاية إعادة فحص وتأويل كل المعجم اللغوي والمفهوميّ الذي وصل إلينا.

 

3) هل هناك من خطة فكرية ومنهجية في هذا الباب عند محمد أركون في معالجة العقل الإسلامي عبر التاريخ؟

الواقع أن أركون يطرح استراتيجية فكريّة واسعة جدّاً وتتطلّب جهوداً من مختلف التخصصات، أوكل لها مهمة القيام بدراسة تركيبية تفكيكية للحقائق (وفق استراتيجية فكرية ثلاثية الأبعاد: “إختراق”، “إزاحة”، “تجاوز”) التي يفكّر بها الناس أو الّتي تفكّر لهم في العقل الإسلامي من خلال سبع مستويات:

  • المستوى الأول هو المستوى اللغوي والسيميائي للتنقيب في أشكال ومضامين الأفكار والكلمات التي يتم تداولها.
  • المستوى الثاني يتعلّق بفحص المستوى التاريخي للحقائق المقدّمة في المدوّنات والمراجع وربطها بسياقها التاريخي من خلال العلاقة التي تربط بين العقل والذاكرة والخيال.
  • – ثالثاً: النظر إلى ارتباطها بالبنية الاجتماعية التي يكشف عن موقعها وعلاقاتها بمن يدافعون عنها أو من يقفون ضدّها، فهي تتجسّد عبر الناس منهم وإليهم، ولا يمكن القفز عن ذلك.
  • رابعاً، المستوى الأنثربولوجي الذي يكشف بعدها في علاقاتها مع الثقافات الأخرى، وكيف تمّ تلقّي الدّين والتفاعل معه من خلال فحص جدليّة العلاقة: الشفهي/ الكتابي، ومن ثمّ الأسطوري/ العقلاني. غايته الاهتمام بالجانب المادّيّ والجانب الرّمزيّ في حياة البشر على حد سواء.
  • خامساً: موقعها في تاريخ أنظمة الأفكار من خلال معاينة فلسفية صارمة، وهو ما يسمّيه بالبّحث عن نظام الفكر في أي حقيقة، وهو نوع من الإبستمولوجيا التاريخية التي تدرس مسيرة تكوين العقل عبر التاريخ.
  • سادساً: فحص المستوى اللاهوتي يراه أمر ضروري في كل تراث ديني.
  • سابعاً، المستوى النفسي للكشف عن لا وعي الفكرة أو الحقيقة التي يتمّ تداولها، والتي تتلوّن بحسب البيئات والأوساط والمجتمعات. أي أنّنا هنا أمام محاولة فكّ معالم العقليّة الجماعيّة وذهنيّتها بدراسة أساطيرها ومخيالها وخيالها. فليس هناك عقل بدون خيال، وليس هناك خيال بدون عقل.

 

4/ هل بقي محمّد اركون على طبيعة أفكاره طوال سنوات دراسته وبحوثه، ام انّ فكره وطبيعة تساؤلاته تطوّرت على مضيّ العقود؟

بقي محمد أركون طوال حياته يحاول إعادة قراءة التراث الإسلامي بعيدا عن اليقينيات الدوغمائية والأنظمة المغلقة والأيديولوجيات التبجيلية، بالإضافة إلى أنه سعى جاهدا للتّقريب بين الثقافات المتوسّطيّة (الإسلامية، المسيحية واليهودية) بكل ما أوتي من جهد.

وبطبيعة الحال، أكّد محمد أركون في كلّ مناسبة على ضرورة الكشف عن جميع أشكال التسلّط الّذي مارسه العقل الإسلاميّ الأرثوذكسيّ من خلال تسليط الضّوء حول مسألة أراها في غاية الأهمية، بحيث تبدأ عمليّة التّفكير فيما هو ممكن التفكير فيه، والمستحيل التفكير فيه، واللا مفكّر فيه لتسليط الضّوء على مجمل الرّهانات المعرفيّة والثقافيّة والسياسيّة في كلّ فكر. فكلّ عقل له حدود، وحدوده تبدأ وتنتهي أوّلاً في الزّمن والمكان الّذي أنتجه أو ما تسمح به إكراهات السّلطة التي يعيش بينها.

بالطّبع، هناك ما هو مسموح التفكير فيه، وهناك ما هو ممنوع التفكير فيه (البّنية المجازيّة للخطاب القرآني، مثلاً، منع التفكير فيها)، وكلّ ذلك يتمّ بمساعدة الجهاز العقليّ المتوفّر فيه آنذاك (القياس مثلا)، وهناك اللا مُفكَّر فيه، ذلك العقل الثّاوي في الأعماق النّفسيّة والاجتماعيّة والذّهنيّات.

بالكشف عن ذلك، تتّضح نسبيّة الحقائق لكلّ عقل مهما بلغ من قدرة.

وبصفة عامة، كان كلّ فكر في “العقل الإسلاميّ” يصارع من أجل استلام السّلطة أو الوصول إليها أو الدّفاع عنها، وفي سبيل ذلك كان يحاول كلّ طرف فرض تفاسيره ومبادئه التي كان يرى أنّها تساعده في ذلك. هذا هو معنى إدخال الإسلام في التّاريخيّة، وإخضاعه لشروط الفئات التي ارتضته ديناً وانتشر بينها.

إجمالاً، وبالصّريح المباشر، هذه الرّؤية كما تعرف مستحيل أن يقبل بها نظام سياسيّ غير إصلاحيّ أو سلطة دينيّة تقليديّة متحجرة، فالكلّ يصوّر أنّ الإسلام الذي يدافع عنه فوق التاريخ حتّى لا يخضع نموذجه وتفسيره ومذهبه هو الآخر للفّحص والتّفكيك والنّقد… بحيث حاول الجميع استخدام الشّريعة كنظام قيميّ واحد ووحيد من أجل فرض شرعيّته أو إيجاد دعم رمزيّ للسّلطات السّياسيّة والدّينيّة القائمة.

 

5/ سؤال افتراضي وقد تصعب الإجابة عليه: هل تعتقد أنّ فكر محمّد اركون الجريء وانتقاداته اللاذعة للتأريخ وآثاره على فهمنا لطبيعة الإسلام ينحدر ولو جزئيّاً من كونه درس في جامعات غربيّة؟ ام انّه كان مهيئ للضّلوع في انتقاد وإعادة جرد كلّ ما كان يصادقه؟

بكلّ تأكيد، لم يكن ذلك ممكناً لو لم يتوفر له مناخ معرفيّ يتّسم بالحرّيّة الممنوحة والمسموح بها للبّحث العلميّ في الجامعات الغربيّة، كما أنّه استفاد من وفرة المناهج العلميّة الّتي ما زال بعضها لم ينقل للعربيّة حتى الآن! هذا ناهيك عن أنّه بخلاف الكثيرين كان يسعى على الدّوام لمراجعة أفكاره، وفحصها برؤية نقديّة بوصفه مؤرّخاً فيلسوفاً أخضع سلطة العقل والعلمانيّة المتطرّفة والدّراسات الاستشراقيّة والمركزيّة الأوروبيّة نفسها لانتقادات عنيفة.

إنه نموذج فكريّ نقديّ بكلّ المقاييس في هذا الباب حتى مع أفكاره وأطروحاته.

فهو في هذا الباب يدافع عن “إسلاميّات تطبيقيّة” والخروج من إسر المقدّس وليس الدّين، بمعنى أنّ الحداثة العربيّة والإسلاميّة لا يجب أن تكون دينيّة، ولا ينبغي لها ذلك لأنها حضارة بشريّة. معنى ذلك، أنّ تفكيك السّلطة الدّينيّة بما هو تفكيك للنّصوص الكبرى المعياريّة والمرجعيّات التّقليديّة في تفسير الدّين الإسلاميّ الّتي حاولت اختزاله في قوالب لاهوتيّة وأنظمة صارمة، هي المسؤولة اليوم عن العنف والتّخلّف واللاعقلانيّة، كما أنّ أغلبها كرّست الدّين لصالح الحكومات وأصدرت فتاوي لصالحها وأضفت قداسة عليها.

إنّ نزع هالة التّقديس حولها في الواقع، هو نقد لهذا الحقّ الذي أعطته لنفسها لتمثيل الله فوق الأرض، ومن ثمّ ضرورة القيام بمراجعة نقديّة جذريّة تشمل العقل الإسلاميّ برمّته والعقل الدّينيّ جزء منها وليس فقط جوانب من ثقافته. هذا هو السّبيل الوحيد للخروج من أقنوم التّخلّف والجمود الحاليّ.

لا يخفى، أن هذا الموقف جلب له كثيرا من الاتّهامات، وغضب كثير من السّلطات والمرجعيّات الدّينيّة عليه، بل هناك من جعل من هذا التّسطيح المقصود لأفكاره، مطية لنزعها من سياقاتها الفّكريّة والمنهجيّة (في الواقع كان الرّجل يدعو لاستقلاليّة المجال الفكريّ عن المجال الدّينيّ) والتّأليب عليه، كما حاول البّعض منهم أن يوهم بأنّ قوله بضرورة مساءلة سيرورة تكوين المدوّنة الإسلاميّة (بما فيها القرآن) واعتبارها نتاجاً بشريّاً، هو مساس بالدّين الإسلاميّ وبالقرآن نفسه؟ّ! وهذا غير صحيح، وفيه كثير من التّجنّي عليه، وكان سبباً في تجييش الجّمهور الدّينيّ من حوله لرفض آرائه حول القرآن وتفسير النّصّ الدّينيّ وموقفه من التّراث.

 

٥/ ما هو إرث محمّد اركون الثّقافي من وجهة نظرك؟

إنسانيّته وانفتاحه من جهة في إطار التّأسيس لقراءة جديدة منفتحة للنّصّ الدّينيّ تتجاوز الفهم غير السليم والمتطرّف للدّين من جهة، ومن جهة أخرى الفّهم القاصر للسّياسة بوصفها علماً حديثاً لها أسّسها وقوانينها وآليّاتها التّدبيريّة، علاوة على إصراره الفّكريّ المّوضوعيّ على معرفة السّبب الحقيقيّ الّذي منع انتشار العقلانيّة النّقديّة في العالم العربيّ والإسلاميّ والجهر بذلك.

وإنصافاً للتّاريخ، كان يخوض دفاعاً كبيراً عن الإسلام في الغرب بوصفه ديناً يدعو للأنسنة والعقلانيّة والعلمنة في كلّ المنابر الدولية. لكنّه بالمناسبة، كان يدعو دائماً إلى عدم تعليق خيباتنا على مشجب الآخرين، فأسباب العلّة والتّخلّف موجودة بين ظهرانينا، ولا بدّ من مغادرة أرضيّة التّواكل، وضرورة تنظيف الموروث النّقديّ ممّا علق به من شوائب وتراكمات سلبيّة منذ قرون.

 

6) ختاما، بوصفك مطّلعاً على أبحاثة ودراساته، هل من دراسة نقديّة لمشروعه؟

الكتاب الذي بين يديك ليس هاجسه ذلك، وهو غير ذلك تماما، فهو محاولة تحليليّة للتّعريف بمشروعه العام وأبرز المناهج التي اعتمدها والمصطلحات التي بلورها في هذا السّياق بشكل خاص، بحيث لم يستوفي الكتاب جميع آراءه وأطروحاته النّقديّة في مجال الفّلسفة السّياسيّة وفلسفة العدالة مثلاً. لذلك من المبكّر جدّاً الخوض في دراسة نقديّة في هذا المّشروع النقديّ الجبّار الّذي يجب أن نستوعبه جيّداً. لكن أكتفي بالقول إنّ أفكاره تطرح كثيراً من الأسئلة التي تستفز كثيراً من الثّوابت واليقينيّات، ويكفيني شرف تقديم بعض أفكاره للقرّاء تاركاً لكلّ منهم حرّيّة أن يُكون له رأيه الخاص

مجلس النواب: صفحة جديدة من الانقسام، بقلم محمّد الصّريط

 

يعد مجلس النواب طرف مهم واساسي في المعادلة الليبية والصراع لاقائم في ليبيا حيث يعد البرلمان الواجهة السياسية لمشروع الكرامة الذي اصبح جسم عسكري شرعي بعدما ان اضف البرلمان الشرعية عليه وبالتالي اعتبره خصومه جزء من الخلاف وليس جزء من الحل واليوم ومع اجتمع عدد من البرلمانيون الممثلين عن طرابلس وبعض مناطق الغرب الليبي وبعض نواب برقه المهجرين إذا بهم يعقدون جلسة برلمانية بطرابلس الهدف المعلن عنها هو ادانة الحرب ولكن ماي راه البعض هنا ابعد من هذا الهدف حيث يعتقدون أن الهدف الحقيقي هو سحب البساط من رئاسة البرلمان الحالية الممثلة بعقيلة صالح وبعض المقربون منه من النواب بطبرق والذين يشكلون نفوذ قوي هناك.

ويرى الدكتور اسماعيل بن صريتي استاذ العلاقات بجامعة سرت ” أن هذه الخطوة قد تساهم في عرقلة جهود التهدئة خاصة الان وبعد مرور اكثر من ثلاث اسابيع تبين أن الحل العسكري حتى للدول الاقليمية التي كانت لفترة تساند هذا التوجه اصبحت تدرك انه صعب ان لم يكن مستحيل الحسم بهذه الطريقة”.

ويضيف بن صريتي أنّ الانقسام معروف بين تيارين أحدهم اسلامي متعاون مع القوى الثورية على الارض وبين تيار قديم ويحمل بعض المساندة من بعض القوى الاجتماعية بالشرق وللاسف المشروعين أو التيارين بعيدين كل البعد وهو ما يمثله عمق الخلاف.

ويوضح بن صريتي أن الخلاف جوهري وكبير ليس فقط في رؤية الدولة وشكل الحكم بل المشروع في حد ذاته مختلف فالقوى المسيطرة في الشرق لها بعد تاريخي في إدارة الحكم يختلف مع التوجه الموجود في غرب البلاد الذي يميل إلى روح التغيير.

وفي هذا السياق يعتقد البرفسور علي الحداد من جامعة درنه ومقيم بالقاهرة ” أنّ عقد جلسة للمنشقين أو المقاطعين للبرلمان في طرابلس ليس إلّا ردّة فعل امام ضغوط شعبية بطرابلس فالكثير من النواب هم اصلاً كانوا يصفون التشكيلات المسلحة بالعاصمة بالعصابات ومنهم من تأذّى منها”.

ويقول الحداد أنّ احتواءهم ضروري فهم محسوبي على طرف من اطراف النزاع وهو بالتالي يضعف هذا الطرف ويقلل من قوته داخل مضمار الصراع.

ويضيف “أنّ الصراعات في ليبيا اخذت شكلاً صعباً فالانقسام بات في كلّ طرف وكل معسكر يشهد انقسام وهذا يضعف جهود التوافق ويضعف فرص الحل واعتقد تصريح ممثّل الامم المتحدة الاخير غسان سلامة أنّ بعتثه تعمل في ليبيا لايجاد حل دون توقف ودون ملل لدليل على أن الصعوبات كبيرة جدا لذلك اعتقد أن هذه الجلسة هي معضلة اخرى وليست حل”.

ويرى الإعلامي ناصر بوشنش من راديو المدينة في مدينة الخمس غرب ليبيا أنّ البرلمان يعاني من الكثير من الانقسامات على خلاف المجلس الاعلى للدولة، مضيفاً انّه “ومع عقد هذه الجلسة اعتقد أنه اطلق عليه رصاصة الرحمة”.

ويقول بوشنش أنّ البرلمان سيحب بساطه وسيظهر بمظهر الضعيف كون أن البرلمانيّون في الغرب المنعقدون أكثر ويمثّلون شرائح أوسع على خلاف الحاضرين بطبرق الّذين هم اقلّ ويمثّلون تيّاراً واحداً فقط، كما انّ المقاطعين لجلسات البرلمان بطبرق وحتى بطرابلس أكثر وهم شريعة لا بأس بها وبالتالي الصورة توضح أنه برلمان عاجز.

محمد الصّريط 

تقرير بالإنكليزي حول ليبيا والميليشيات وامكانيّات المضي قدماً

Eight years after the Arab uprisings, Libya shows no signs of recovering from the plethora of problems in which it became entangled. With the official fall of Muammar Gaddafi in October 2011, despite many difficulties, the country could have still headed towards a better future.  But disagreements, rivalries, and struggles for power took over, as exemplified by the early April 2019 battle for Tripoli. Currently, Libya is experiencing one of the worst crises in its history, ruled by insecurity, underdevelopment, humanitarian crises, trafficking of all sorts (human, drugs, weapons, and goods), political and sociopolitical fragmentation, and the absence of a strong government.

 

The dire situation in Libya is defined by another serious reality: the rule of militias. In the field of security, paramilitary actors are the backbone of the country; but because they are not organized as a part of a regular armythey have become one of the main sources of disorder and insecurity in Libya. With recent events, militias from the west did indeed gather under one umbrella with the aim of protecting Tripoli; however, this move does not aim to safeguard governmental institutions and the Tripoli-based Government of National Accord (GNA). In reality, militias are acting first and foremost in their own interests.

Is there an efficient way to compel militias to disarm and/or put themselves under the rule of an official governmental army? In reality, no. Strategies and efforts to disarm militias or circumscribe their role have all failed up to now. Militias and their leaders are fully aware that the political vacuum and prevailing uncertainties in Libya give them further power and influence; consequently, the end of their rule is not yet foreseeable.

This does not mean that the way forward to achieving stabilization – including through the disarmament of militias – would be out of reach; there is no doubt that stabilization will be achieved one day, and militias disarmed by then. Yet to achieve that, Libya’s regional, national and local specificities must be well-understood, and the way forward to solving the country’s core problems must be defined accurately.

This article will look at the strategies required to address Libya’s most pressing issues and challenges. After placing Libya in its regional context, it will discuss the main dynamics prevailing from a security point of view. The last part will be dedicated to the points that need to be quickly and seriously addressed if Libya is to move forward. (Continue reading)

طرابلس… جدار يتحطم أم مرحلة إنهاء الخلاف الليبي؟ محمد الصّريط

 

مرّة أخرى، دخلت ليبيا مرحلة حرجة من تاريخها المعاصر، فالحرب وصلت لتخوم العاصمة السياسية “طرابلس” التي يقطنها مايقارب عن 2 ونصف مليون نسمة، وهو مؤشّر على اندلاع حرب من الواضح أنّ نتائجها ستكون طويلة الأمد.

إلّا أنّ مؤيّدي هذا الحراك العسكري، الذي بدأه المشير خليفة حفتر قائد الجيش الليبي المعترف به من قبل البرلمان بشرق البلاد، يرون أن الوقت مناسب لوضع حدّ لتمادي وتوغل ما يطلقون عليه تسمية “المجموعات المسلّحة” والّتي كما يردّدون تسيطر على العاصمة طرابلس وهو مبرّرهم في الحرب.

ويرى نوري بوسهمين، رئيس المؤتمر الوطني العام السابق، أنّ “انطلاقة حفتر بأعماله العدوانية بدأت منذ 14 فبراير 2014 حين أعلن انقلابه على الشرعية وكان الهدف منه هو الانفراد بالسلطة”، مضيفاً: “إنّنا في المؤتمر وفي الاعوام السابقة اصدرنا قراراً بإيقاف “حفتر” من قبل المدعي العسكري بسبب العديد من الانتهاكات التي قام بها”. كما يذكّر بوسهمين أنّ فائز السّرّاج رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني امر بالقبض على حفتر بمذكرة مماثلة.

ويقول الباحث فرج بوخاطرة من شرق ليبيا إنّ “الجيش الّذي تقدّم نحو طرابلس لم يكن جيشاً جهويّاً أو اقلميميّاً أو ايدولوجيّاً بل هو جيش ليبي مكون من جميع فئات وشرائح ليبيا”. ويؤكّد ايضاً أنّ الحملة العسكريّة التي يقوم بها الجيش في غرب البلاد يقودها ضبّاط من المنطقة الغربية بعد ان لبّوا نداء سكان العاصمة لتخليصهم من جبروت المليشيات المسلحة.

ويوضح بوخاطرة أنّ الجيش ظلّ لفترات طويلة يلتزم الصمت ويعطي الكثير من الوقت للسياسيين لوضع حلّ جذريّ ونهائيّ لخلافاتهم، ولكن دون جدوى، علماً بأنّه – أي الجيش – لا يستطيع أن يقف مكتوف الآيدي أمام هذا العبث.

بينما يتحدث المستشار السياسي الاسبق لخليفة حفتر محمد بويصير قائلاً إنّ رغبات “حفتر” في الوصول للسلطة بأي ثمن جعلته لا يفكر في المآسي الّتي قد تحدث من جراء الحرب ومنها أولئك الّذين تمّ اسرهم في غرب ليبيا على ايدي قوات حكومة الوفاق والذين يعدّوا بالمئات. كما يقول بويصير إنّه “ليس هكذا يفكّر المارشالات فهم عادة حريصون على جنودهم ولا يعتبرونهم قبوراً تكون طريقاً إلى الحكم”.

ويوجه بويصير كلامه للمشير خليفة حفتر بقوله: “إذا كنت لا تستطيع التخطيط ولا قيادة المعارك فأنت لست بمارشال ولا حتّى جنرال، بل وأنّ هناك ضابط أمريكي متقاعد (عرفك ) فى فرجينيا، سمعته يقول عنك أنّك “في الحقيقة لا تحمل من المعرفة العسكرية  اكثر من مستوى سارجنت        ( شاويش) في المارينز”.

ويتابع بويصير قائلاً: “ومن ثمّ اسحب الشباب واحقن دماءهم ودعهم يعودون لأهلهم ومدنهم وضع أحلامك جانبا، فأنت لن تفكّ عقدة عمرك بأن تجلس على عرش القذّافي ولن تحكم الليبيين لا اليوم ولا غداً ولا فى أي وقت”.

إلّا أن المستشار السابق الفيدرالي نعيم النعّاس يقول: ” قد يكون وقت الهجوم على المجموعات المسلحة مفاجئاً ولكن هذا منظور عسكري لا يحق لأي أحد أن يناقشه إلا بسماع وجهات النّظر المتعددة”. ويعتقد النعّاس أن توغّل هذه المجموعات ومساهمتها في عدم الاستقرار اصبحت تشكّل خطراً كبيراً على الأمن القومي والوطني بصفة عامة كونها امتهنت تجارة الرق والمخدرات والبنزين وغيرها من جرائم الحرب مستغلّة بذلك ضعف الأجهزة الامنية والشرطية، وكوّنت امبراطوريّات ضخمة من أموال الليبيين وتريد ان تنفرد بالنفوذ والقوة.

ويقول الكاتب اسامة الجارد من مدينة البيضاء منتقداً العمليّة العسكريّة: “يتمّ تجنيد الشبّان من صغار السن بالمنطقة الشرقية للعمل كمقاتلين في صفوف قوات خليفة حفتر تحت ستار تخريج دفعات للقوات المسلحة”.

ويضيف الجارد أنّ “المتابع لمراكز التجنيد هذه يستغرب من السرعة في التجنيد والتخريج لأنّ همّهم ليس بناء جيش بقدر ما هو البحث عن مقاتلين في صفوفه”.

ويوضح أن مثل هؤلاء الاطفال غالباً ونتيجة انخراطهم في القتال يضطرّون لمشاهدة وارتكاب أعمال العنف ويتعرّضون للإصابة او الاسر و للعواقب الجسدية والنفسية القاسية.

إلّا أن الدّكتور صلاح القطراني من اجدابيا في شرق ليبيا يقول إنّ تواجد مليشيات مسلّحة تتحكم في مصائر الليبيين داخل العاصمة اعطى صورة سلبية على ليبيا، مضيفاً: ًلا ننسى المعارك التي كانت تحدث من حين لحين بين هذه المجموعات بسبب استحواذ مجموعة دون الاخرى على نفوذ مالي وسياسي كبير مما جعلها تتقاتل فيما بينها، والآن وبعد أن عزم الجيش على اتخاذ موقف حاسم وحازم أصبح الجيش مؤذياً”. ويوضّح القطراني أن الحرابة وعرقلة توحيد الجيش جاءا من قبل هذه المجموعات الّتي اغلبها من المدنيين وليس لهم علاقة بالعلوم العسكرية والانضباطيّة.

وبين هذه الآراء، يبقى المواطن منتظراً الحلّ الامثل ووقف الحرب الّتي تستهدف أمنه بالدّرجة الأولى، وفي نفس الوقت يحلم بمشهد أمني مستقر يُساهم في التّعايش السلميّ مابين ابناء البلد الواحد، ولربّما هذا لا يمكن تحقيقه إلّا من خلال المكاشفة وتقبّل الاخر كما يعتقد البعض.

 

تقرير \ محمد الصريط صحافي وباحث بمركز الأداء الاستراتيجي

 

منكر: “النظام الجزائري غير قادر على إصلاح نفسه” (السالتو ، الإسبانية)

“إن الأزمة السياسية التي بدأت في الجزائر نتيجة لعزم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على الترشح لإعادة انتخابه ليس لها أي علامة على نهايتها ، كما أن استقالته ووعد الانتقال تحت الإشراف قد طغى على الشارع”. تحدث لي ميناسير (الجزائر العاصمة ، 1979) ، المستشار السياسي والصحفي في جريدة Liberté ، إحدى وسائل الإعلام المستقلة الرئيسية في البلاد ، عبر الهاتف مع El Salto لمشاركة تحليله حول الوضع وما هي السيناريوهات المستقبلية المحتملة ”

مقابلة مع ريكارد غونزاليس يمكنك قراءتها هنا:

https://www.elsaltodiario.com/argelia/lyes-menacer-regimen-argelino-incapaz-reforma-solo-sobrevivir

مقابلة خاصّة مع المهندس مصطفى صنع الله، مدير المؤسّسة الوطنيّة للنّفط في ليبيا

تمكنت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا من استئناف العمل بالكثير من الحقول والموانئ التي ظلّت لسنوات مغلقة وتحت سيطرة ما يعرف “بالقوة القهرية”، إلّا أنّ محاولة المؤسسة استعادة العمل بهذه القطاعات والمرافق هي خطوة اعتبرها الكثير من المراقبين جيدة خاصة أن النفط هو الدخل الوحيد للدولة الليبية.

في الوقت نفسه ومن جرّاء هذا الحال فقد تدهورت من ثمّ الأوضاع المادية والتنموية للليبيين الْذين لم يعتادوا على التقشف وعلى قلّة السّيولة التي تقف وراءها مسبّبات اخرى منها الخلافات السياسيّة.

ولمناقشة هذه الأمور فقد كان لنا هذا الحوار مع مدير المؤسسة الوطنية للنفط ليبيا المهندس مصطفى صنع الله والذي توجهنا له بالأسئلة التّالية.

س – كيف تمكنتم من تحريك عمل المؤسسة الوطنيّة للنّفط على الرّغم من معاناتها انقسامات كبيرة سيّما على المستوى الإداري؟

ج – منذ أن اندلع الخلاف السياسي في ليبيا سارعنا بالاتصال بالجهات المتخاصمة وأوضحنا لهم الصورة الكاملة في حال إدخال المؤسسة في هذا الصراع وعدم تحييدها وتحصّلنا على وعود بذلك لكن مع مرور بعض الوقت بدأنا نستشعر تراجع بعض القوى عن التزاماتها بهذا التفهم وهنا اضطررنا إلى فرض واقع ما من خلال التحاور مع بعض القوى الاجتماعية الواقعة في المناطق الغنيّة بالنفط وكذلك مع بعض القوى السياسية التي تتمتّع بعلاقات جيدة مع المنظومة الدولية.

 

س – كنتم قد عبّرتم سابقاً عن تصوّركم بأن يتجاوز إنتاج النفط الليبي ال1.7 مليون برميل يوميا مع بداية العام 2018 غير أنّ هذا لم يحدث، هل لكم أن توضحوا الأسباب؟

ج – نعم كانت تلك التوقّعات والوعود في حال تزاوجها مع الاوضاع الامنية في البلاد ناهيك عن المشاكل التّقنية غير أنّ تلك تعدّ ضمن تخصصنا بينما المعضلة ترجع للمشهد السياسي والذي انعكس على الوضع الامني وبدوره اثّر وتسبّب في تدنّي الانتاج ولكن ومع ذلك وصل إنتاج ليبيا من النفط إلى المليون برميل يوميا وفي احيان كثيرة يتجاوز هذا الرقم وبعض المشكلات التقنية يتم التعامل معها بمهنية وحرفية كحريق خط السدرة الاخير الذي تعاملت معه الشركات المعنية بحرفية وسرعة فائقة حيث يبلغ مجمل ضخ النفط من ميناء السدرة الذي توقف لمدّة اسبوع ال170 الف برميل يوميا وهذا تطوّر كبير فقبل الحريق كانت السدرة تضخ 120 الف برميل يوميّاً، الآن ومع ضخّنا ل170 الف برميل يوميّاً فنحن نعوّض أيّام التّوقّف.

إلى جانب التوترات الامنية أيضاً هناك عراقيل اخرى منها نقص الاستثمارات النفطية من قبل المستثمرين في قطاع النفط ونقص السيولة المالية للمؤسسة والتي ايضا بدورها ساهمت في التقليل من الصيانة واستكمال بعض المشاريع النفطية التي من شأنها أن تساهم في تطوير القاعدة الانتاجية للقطاع النفطي.

أمّا في المجمل فإنّ حجم خسائر المؤسسة من إغلاق الحقول النفطية والموانئ من جرّاء الاحتجاجات والابتزاز الذي قام به البعض قد بلغ 126 مليار دولار مما انعكس على القطاع النفطي والاقتصاد الوطني بالكامل.

س – إذا استخدمت ورقة انتاج النفط من بعض القوى السياسية وحتى القبلية في ابتزاز بعض الاطراف كيف تكون الرؤى لحل ومواجهة ذلك؟

ج – للأسف هذا الأمر متوقّع بل وهو وارد بطبيعة الأمر ولكن ما يبشّر بالخير هو أنّ هناك قوى إقليمية ودولية ستكون بجانب المؤسسة لمواجهة هذه التجاوزات الّتي وللأسف نراها قائمة لكون أنّ هناك من لا يهمه العمل في منظومة توافقية بل يريد أن يمارس الابتزاز من اجل تمرير بعض الرّؤى السّياسية.

س  ماذا عن علاقاتكم بكلّ من فايز السّرّاج وخليفة حفتر؟

ج ـ علاقاتي بجميع الكيانات والشخصيات الليبية جيّدة وكلّهم أدركوا أن المؤسسة الوطنية للنفط لها كيان واحد وهو الكيان الشّرعي بطرابلس.

 

س – كيف تعاملت مع منظمة اوبك فيما يخص خفض انتاج النفط لتحقيق استقرار في اسعار النفط المتقلّبة؟

ج – نحن نُعْلِم اوبك وكل المنظمات والاجهزة المعنية داخل وخارج ليبيا بمستجدّات عملية انتاج النفط وعراقيلها في ليبيا حيث ابدت المنظّمة استعدادها لتفهّم الوضع الخاص بليبيا واستثنت بذلك ليبيا من عملية أي تخفيض في الانتاج مع الطّلب منّا أن لا نتجاوز سقف ال1.2 مليون برميل يوميا.

 

س – هذه الاجابة تقودنا الآن إلى ذكر ما يقال بأنّ هناك معلومات غير مؤكّدة تفيد بأنّ منظّمة اوبك ألزمت ليبيا ونيجيريا البقاء على سقف ما وصلت اليه هاتان الدّولتان من انتاج للنفط وذلك فيما يقال إنّها وثيقة سرّيّة؟

 ج – هناك قراران بشأن النفط الليبي، القرار التقني الفني، والقرار السياسي والاقتصادي. نحن كمؤسسة نُعنى بالشق الأول، ننتج النفط ونتعامل مع الزبائن بالخصوص، وتأتينا التعليمات من الكيان السياسي بتحديد الحجم والتعامل.

نعمل إذاً حول الأمور الفنّيّة ومسألة تذليل العراقيل على مستوى الإنتاج وبناء منظومات جديدة من التعاملات الانتاجية ولكن حجم التصدير هو قرار سياديّ سياسيّ لا نشترك فيه.

 وجميع أعضاء اوبك يتفهّمون المشهد المربك القائم في ليبيا وهم على دراية كاملة بالمستجدّات السّياسيّة والاقتصاديّة وكلماتهم بالخصوص جيدة.

 

س – بالرّجوع لمسألة خطّ السّدرة ذكرت رويترز أن مسلّحين قاموا بتفجير خط الانابيب القائم في المنطقة فما صحّة ذلك؟ وكيف ستتعاملون مع هذه التجاوزات؟

ج – لقد شكّلنا لجان فنّيّة وأمنيّة بقصد البّحث والتّحقيق ومعرفة اسباب الانفجار وإلى ألان لم تصفح هذه الجهات المعنية بهذه التحقيقات عن النّتائج الّتي وصلت إليها وما آلت إليه تلك الوسيلة هو ليس دقيق كون ان الجهات المعنيّة وكما اسلفت لم تذكر الأسباب الحقيقيّة الّتي تقف وراء التفجير.

ولكن في حال التأكد من أنّ هناك عناصر خارجة عن القانون قامت بمثل هذه التصرفات الغير سليمة أعتقد أنّنا سنلقى حينئذٍ دعماً كبيراً وذلك بشكل خاصّ من قبل  العامل الاجتماعي الذي اثبت أنّه يقف إلى جانب المؤسسة الوطنية دوماً.

 

س – ماذا تقولون لنا حول عمل المكتب الترويجي والتسويقي الذي افتتح مؤخراً بالولايات المتّحدة لصالح المؤسسة الوطنية للنفط؟

ج – هذا المكتب يعمل خارج ليبيا وتحديدا في امريكا لكون أن أضخم سوق للنفط متواجد في الولايات المتحدة الامريكية ونحن نحتاج لتطوير هذا القطاع كما اسلفت من قبل، وإلى جانب وجود الخبراء والاستشاريين البّارعين في تطوير الانتاج في امريكا والّذين نحتاج لكفاءتهم فأيضا هناك اسباب اخرى منها سعينا إلى تحقيق انتشار اكبر واوسع.

حوار اجراه الصّحفيّ والبّاحث في مركز الأداء الإستراتيجيّ محمّد الصّريط

طرابلس، بين مطالب التهدئة وإنذار للحرب

بعد أن تمدّدت قوّات الجيش المعترف به من قبل البرلمان في ليبيا في مناطق عديدة بالجنوب الليبي، يتخيّل البّعض أنّ ما يطلق عليها معركة “حسم طرابلس” اصبحت وشيكة. إلّا أنّ هناك رؤى مخالفة تقول إنّ الاقتحام المفترض للعاصمة طرابلس قد يؤدي لتدهور الاوضاع المعيشيّة والإنسانيّة لما يقارب أكثر من مليوني نسمة من سكان العاصمة. وتبقى التّساؤلات حول ماهية الأمور عديدة حينئذ رغم الظرف القائم والّذي عقدت فيه عدّة اجتماعات خارج ليبيا بين أطراف النزاع المتمثلة في خليفة حفتر وفائز السراج.

آخر هذه الاجتماعات ذلك الّذي أدير في مدينة ابوظبي والّذي تحدّثت عنه الأمم المتّحدة وباركت مخرجاته التي تجسّدت في نقطة محوريّة وهي الاتفاق الّذي قيل إنّه جرى بين فايز السّرّاج وخليفة حفتر بغاية إنهاء المرحلة الانتقالية والذهاب لانتخابات مباشرة إلى جانب مسألة عدم الاحتكام للسلاح في فرض الرؤى. غير أنّ الكثير من المتابعين للشّأن الليبيّ ما زالوا غير مقتنعين بهذه التّطوّرات وما قد تؤول إليه حيث أنّها ترى أنّ توصّل فايز السّرّاج وخليفة حفتر إلى هكذا اتّفاق غير منطقي كون أنّ الطّرفين بعيدين كل البعد فيما يخصّ رؤاهم حول مستقبل ليبيا.

 

ويقول هنا الصّحفي الليبي حمزة احمد، مدير إدارة البرامج بقناة ليبيا الاحرار بتركيا والمقيم حاليّاً في طرابلس، إنّه لا يعتقد أنّه ستحدث اشتباكات بطرابلس في الظّرف الحالي، فهذه “الفرصة” – إذا صحّ التّعبير – كانت مواتية لخليفة حفتر في عام 2016 حيث كان رصيده كبيراً آنذاك في العاصمة، ولكن مشاهد عديدة لمناطق الاقتتال في ليبيا وصلت لطرابلس وجعلت الرّأي العام يغير الكثير من مواقفه تجاه جيش الشّرق.

ويضيف حمزة احمد أنّه لا يمكن تجاهل رغبة وتوجّهات المجتمع الدّولي الذي يدرك أنّ هناك توازن في القوة قد يؤدّي لكارثة في حال وقوع تصادم، ناهيك عن المشاكل الإضافيّة الّتي قد تنتج من جرّاء خلق ظرف جديد تبرز فيه موجات جديدة من المشرّدين والنازعين والمهجّرين إضافة لاحتماليّة وقوع أعمال انتقامية من قبل بعض الأطراف وهو شيء يرفضه المجتمع الدولي.

ومن ناحيته يعتقد الباحث والناشط سليمان الفارسي الاستاذ بمعهد الفكر العربي ببنغازي أنّه لا شكّ انّ الحروب صعبة ونتائجها على المجتمعات كارثيّة، غير أنّ منتقدي الجيش كانوا يهولون دخول درنه وبنغازي بينما الواقع أنّ هاتين المدينتين اللتين تعيشان تحت سيطرة الجيش عاد الأمن والأمان فيهما، فلما رفض امتداد هذا الواقع إلى العاصمة لكي يكتمل حينئذ الفرح الليبي؟

أمّا البرفسور سالم الهويدي، استاذ الراي العام بجامعة الخمس، فهو يقول إنّه “لا يخفى على احد رغبة خليفة حفتر السّيطرة الكاملة على ليبيا وهذا لا يمكنه أن يأتي إلّا بدخوله العاصمة، أمّا كيفيّة الدخول فهي عامل مهمّ له حيث أنّه إذا دخلها منتصراً فسيعني هذا نيّته السّيطرة المطلقة على العاصمة علماً بأنّ وجهة نظر خليفة حفتر تمكث في فكرة أنّ التّوافق يعني الهزيمة.

ويرى ايضاً الهويدي أنّ خليفة حفتر الآن قوّاته جاهزة، لكن ليس لدخول العاصمة بل لمحاصرتها، فقد امتدّ تواجد قوى جيش الشّرق حتّى الحدود الجنوبية كما انّها باتت قريبة من الحدود الليبيّة التّونسيّة وبالتالي فقد اقترب خليفة حفتر من احكام سيطرته على جميع منافذ ليبيا، ولم يبقى له إلّا حسم وضع مطارَي معيتيقه ومصراته، وقد يحاول حفتر إذاً قريباً التّحالف مع ماسكي زمام أمور المنطقتين قريباً.

واخيراً ومن وجهة نظر الباحث والمحلّل فرج بن ناهية، واصله من بني وليد، فإنّ “القوّة التي سوف تكون في مواجهة قوى الشّرق كبيرة وضخمة ويجب مراعاة ذلك”، موضّحاً أنّ قوّات البنيان المرصوص بحدّ ذاتها تشكّل تهديداً خطيراً يجب التّعامل معه بحكمة خاصة نظراً إلى العتاد الّذي بحوزتها والّذي قد يكون رقماً مهمّاً في المعادلة.

 

تقرير من إعداد محمّد الصّريط

Back To Top